أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
562
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ عون العقيلي « 1 » في رواية العبّاس بن الفضل عنه : « وعابد الطاغوت » بضمّ الدال وجرّ الطاغوت كضارب زيد . قال أبو عمرو : تقديره : « وهم عابد الطاغوت » . قال ابن عطية : « فهو اسم جنس » قلت : يعني أنه أراد ب « عابد » جماعة ، قلت : وهذه القراءة يجوز أن يكون أصلها : « وعابدو الطاغوت » جمع عابد جمع سلامة ، فلمّا لقيت الواو لام التعريف حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار اللفظ بدال مضمومة ، ويؤيّد فهم هذا أنّ أبا عمرو قدّر المبتدأ جمعا فقال : « تقديره : هم عابدو » ، اللهم إلا أن ينقلوا عن العقيلي أنه نصّ على قراءته أنها بالإفراد ، أو سمعوه يقف على « عابد » ، أو رأوا مصحفه بدال دون واو ، وحينئذ تكون قراءته كقراءة ابن عباس : « وعابدو » بالواو ، وعلى الجملة فقراءتهما متحدة لفظا ، وإنّما يظهر الفرق بينهما على ما قالوه في الوقف أو الخطّ . وقرأ ابن عباس في رواية أخرى لعكرمة : « وعابدو » بالجمع ، وقد تقدّم ذلك . وقرأ ابن بريدة : « وعابد » بنصب الدال كضارب زيد ، وهو أيضا مفرد يراد به الجنس . وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة : « وعبد الطاغوت » بفتح العين والباء والدال وجرّ الطاغوت ، وتخريجها أنّ الأصل : « وعبدة الطاغوت » وفاعل يجمع على فعلة كفاجر وفجرة ، وكافر وكفرة ، فحذفت تاء التأنيث للإضافة كقوله : 1766 - قام ولاها فسقوه صرخدا « 2 » أي : ولاتها ، وكقوله : 1767 - . . . * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا « 3 » أي : عدة الأمر ، ومنه : وَإِقامَ الصَّلاةِ « 4 » أي : إقامة الصلاة ، ويجوز أن يكون « عبد » اسم جنس لعابد كخادم وخدم وحينئذ فلا حذف تاء تأنيث لإضافة . وقرىء : « عبدة الطاغوت » بثبوت التاء وهي دالّة على حذف التاء للإضافة في القراءة قبلها ، وقد تقدّم توجيهها أنّ فاعلا يجمع على « فعلة » كبار وبررة وفاجر وفجرة . وقرأ عبيد بن عمير : « وأعبد الطاغوت » جمع عبد كفلس وأفلس وكلب وأكلب وقرأ ابن عباس : « وعبيد الطاغوت » جمع عبد أيضا وهو نحو : كلب وكليب » قال : 1768 - تعفّق الأرطى لها وأرادها * رجال فبذّت نبلهم وكليب « 5 » وقرىء أيضا : « وعابدي الطاغوت » . وقرأ عبد اللّه بن مسعود : « ومن عبدوا » . فهذه أربع وعشرون قراءة ، وكان ينبغي ألّا يعدّ فيها : « وعابد الشيطان » لأنها تفسير لا قراءة . وقال ابن عطية : « وقد قال بعض الرواة في هذه الآية : إنها تجويز لا قراءة » يعني لمّا كثرت الروايات في هذه الآية ظنّ بعضهم أنه قيل على سبيل الجواز لا أنها منقولة عن أحد ، وهذا لا ينبغي أن يقال ولا يعتقد فإنّ أهلها إنما رووها قراءة تلوها على من أخذوا عنه ، وهذا بخلاف و « عابد الشيطان » فإنّه مخالف للسواد الكريم . وطريق ضبط القراءة في هذا الحرف بعد ما عرف القراء أن يقال : سبع قراءات مع كون « عبد » فعلا ماضيا
--> ( 1 ) عون العقيلي أخد القراءة عرضا عن نصر بن عاصم وروى القراءة عنه المعلى بن عيسى انظر غاية النهاية ( 1 / 606 ) . ( 2 ) انظر معاني الفراء ( 1 / 314 ) ، تفسير الطبري ( 10 / 449 ) ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 73 ) . ( 5 ) تقدم .